مدريد وريالها ونجومها فوق السحاب

سافرت إلى مدريد كثيرا وعرفتها وأحببت ملامحها وشوارعها ونهاراتها ولياليها .. لكنها كانت مرة وحيدة التى سافرت فيها إلى مدريد ليس بقصد رؤيتها من جديد إنما لكى أعود مع نجوم ريال مدريد إلى القاهرة لمواجهة الأهلى .. فبعد إتفاق الناديين الكبيرين على هذه المباراة فى 4 أغسطس 2001 فى استاد القاهرة .. قرر النادى الأهلى إرسال طائرة خاصة إلى مدريد لتعود بنجوم ومسئولى الريال إلى القاهرة .. وطلبت من صالح سليم رئيس النادى الأهلى أن أسافر مع هذه الطائرة الخاصة وأعود إلى القاهرة مع نجوم الريال .. وبعد موافقة صالح سليم كنت فى الطائرة الخاصة التى أقلعت فى الثامنة صباح الجمعة من مطار القاهرة إلى مطار باراخاس فى مدريد .. وبعد طيران خمس ساعات كان أمامنا 60 دقيقة فقط فى مطار باراخاس قبل أن تقلع الطائرة من جديد إلى القاهرة
وفى إحدى صالات الترانزيت .. جلست أتابع دخول لاعبى الريال واحدا وراء الآخر .. لم يكونوا كلهم نجوما فكان روبرتو كارلوس أول نجم يستوقفه الناس فى المطار يطلبون توقيعه والتقاط الصور معه .. وبعده دخل باقى النجوم .. زين الدين زيدان وراءول جونزاليس ولويس فيجو وستيف ماكمنامان وفيرناندو هيرو .. ولم يرفض أحد أى طلب للتوقيع أو التصوير .. وعلى مقعد بعيد فى أحد الأركان .. جلس وحده فينسنت ديل بوسكى المدير الفنى للريال يتابع وصول وسلوك لاعبيه مع الناس ومع بعضهم البعض .. وكان آخر من جاء وأول من دخل للطائرة هو النجم الكبير والشهير الفريدو دى ستيفانو الرئيس الشرفى لريال مدريد ورئيس بعثة النادى إلى القاهرة ومعه حسين كامل هريدى سفير مصر فى مدريد الذى قرر مصاحبة الريال فى رحلته إلى القاهرة .. وفى مقدمة الطائرة جلس دى ستيفانو بجوار النجم القديم أمانسيو امارو فاريلا .. وخلفهما إيميليو بوتراجينيو نجم ريال مدريد السابق ونائب مدير النادى حاليا
وبدا اللاعبون يختارون مقاعدهم فى الطائرة الكبيرة الخالية من الركاب .. اختار زيدان الجلوس بجوار زميله الفرنسى كلاود ماكليلى .. وجلس مورينتس بجوار ماكمنامان .. واختار راءول جونزاليس ولويس فيجو الذهاب إلى الخلف وتمدد كل منهما فوق ثلاثة مقاعد متجاورة وراح الإثنان فى نوم عميق .. واخترت الجلوس مع الصحفيين المرافقين للريال .. وتحدثت معهم كثيرا وكانت أولى نصائحهم لى ألا أحاول الحديث مع لويس فيجو الذى ليس اجتماعيا ويميل دائما للعزلة وصامت معظم الوقت .. وألا أحاول أيضا مع راءول جونزاليس لأنه ثقيل الدم ولا يحب الصحفيين عموما ولا يريد أى حديث معهم .. قالوا أيضا أن أقرب هؤلاء النجوم للصحفيين هو روبرتو كارلوس الذى يرحب بهم دائما ويتحدث معهم مهما كانت شواغله أو همومه .. وقالوا أن زيدان انضم مؤخرا للريال ولم يعرفوا طبائعه بعد
ورغم هذه النصائح إلا أننى فضلت أن أبدا بالنجم الكبير والقديم الفريدو دى ستيفانو .. كان المقعد المجاور له قد أصبح خاليا فذهبت وجلست وقلت له أننى صحفى مصرى أود الكلام معه .. فابتسم قائلا أنه سبق أن زار القاهرة لكنه للأسف لا يذكر النتيجة .. لكنه لا يزال يعتز بصورة له فوق أحد الجمال أمام الأهرامات .. فقلت أن القاهرة لا تزال تذكره رغم مرور أربعين سنة على هذه الزيارة .. وفوجئت بعدها بنظرة حزن فى عينيه قال بعدها أنه فى يوم ما كان نجم النجوم أما الآن فقد أصبح عجوزا يتحرك ببطء .. وكان ما قاله دافعا لى للسؤال عن الفارق بين كرة القدم فى الماضى وكرة القدم الآن .. فقال دى ستيفانو بسرعة دون أى تمهل أن كرة القدم فى الماضى كانت أجمل .. وأنهم كانوا يلعبونها فقط لأنهم يحبونها ويحبون أن يراهم الناس يجيدون لعبها .. أما الآن فقد أصبحت تجارة ومالا دون حب .. كل شىء فيها أصبح يقاس بالمال وكل شىء له ثمن .. وقد يكون هناك لاعبون مميزون لكن اللعبة كلها أصبحت بلا روح .. وبابتسامة باهتة قال دى ستيفانو أنه سئل هذا السؤال كثيرا من قبل ولم تتغير إجابته .. وقد لا تكون إجابته صحيحة لأنه ينتمى للزمن القديم وليس باستطاعته أن يكون محايدا بين القديم والجديد
ولم يغضب دى ستيفانو إلا حين سألته عن حيرة العالم فى أيهما الأفضل .. بيليه أم مارادونا .. وأمام هذا الغضب شعرت بالدهشة والحيرة والارتباك وبقيت صامتا حتى أدرك دى ستيفانو بسرعة أننى لم أفهم سر غضبه وثورته .. وقال لى بعد أن استعاد هدوءه أنه ليس أقل من بيليه ومارادونا وأن السؤال الصحيح هو أيهم الأفضل من هؤلاء الثلاثة .. وبالتأكيد لم أكن أقصد إهانة دى ستيفانو والتقليل من شأنه ومكانته .. فهو أحد النجوم الكبار جدا فى عالم كرة القدم .. والفائز بالكرة الذهبية 1957 و1959 والوحيد الذى فاز بسوبر الكرة الذهبية التى كانت جائزة لم يتم منحها سوى مرة وحيدة .. وإلى جانب موهبته الكروية الاستثنائية كان دى ستيفانو النجم الأول وصانع أسطورة ريال مدريد الذى فاز معه بالدورى الإسبانى ثمانى مرات وخمس بطولات اوروبية .. وكان من الطبيعى أن يحمل الاستاد الثانى للريال بعد برنابو اسم دى ستيفانو تقديرا واحتراما لتاريخ الرجل وعطائه .. وحكى دى ستيفانو بعدها عن وجعه وحزنه الحقيقى لأنه لم يشارك فى المونديال .. فرغم أنه أرجنتينى الأصل ولعب لمنتخب الأرجنتين ثم لعب لمنتخب كولومبيا وبعد أن نال جنسية إسبانيا لعب ايضا للمنتخب الإسبانى .. لكن توالت المصادفات التى حالت كل منتخب لعب له دى ستيفانو من المشاركة فى المونديال .. وبات يعتقد أن هذا هو الذى جعل العالم لا يضعه مع بيليه ومارادونا
وعاد دى ستيفانو يضحك من جديد حين لمحت زين الدين زيدان يمر بجوارنا فقلت له بصوت عال .. هل كنت تقصد أن كرة الماضى أفضل وأنك أفضل من زين الدين زيدان .. فضحك دى ستيفانو وقال بالطبع أنا أفضل .. فاستدار زيدان واقترب منا رافضا ما يقوله دى ستيفانو .. وقال لى زيدان أن كرة الماضى كانت سهلة وفوضوية دون خطط حقيقية وكان من الممكن فيها إحراز كثير من الأهداف دون مجهود .. وابتسم زيدان وهو يقول مبتعدا أن دى ستيفانو لو كان يلعب اليوم كان سيجد الأمر صعبا للغاية أن يحقق ما حققه فى الماضى من بطولات وانتصارات .. وتركت بعدها دى ستيفانو يتناول الزيتون الذى جاءت به مضيفة مصر للطيران .. وسألته عن ذلك فقال أنه ظل يعتقد أن الزيتون الإسبانى هو الأفضل فى العالم إلى أن تذوق الزيتون المصرى فطلب من المضيفة أن تأتى له بكل الزيتون المتوافر على الطائرة وسيشترى كمية كبيرة منه فى القاهرة يعود بها إلى مدريد
وكان هناك لاعبون رفضوا تناول الطعام واكتفوا بالساندويتشات التى أعدها لهم النادى وفقا لبرامج التغذية الخاصة بهم .. ولم يكن منهم روبرتو كارلوس الذى جلست بجانبه نتناول الطعام .. وقال لى روبرتو كارلوس أنه كان فى مصر منذ شهر واحد ومعه ميشيل سالجادو وقام الإثنان بزيارة الغردقة والأقصر وأطال حديثه عن انبهاره بما شاهده من معابد ومتاحف فى الأقصر واستمتاعه بمياة وشواطىء الغردقة .. لكنها كانت المرة الأولى التى يأتى فيها ديل بوسكى للقاهرة .. فقد سألته حين جلست جواره عن مصر والنادى الأهلى .. فقال أنه يعرف الكثير بالطبع عن مصر لكنه لا يعرف الكثير عن الأهلى سوى أنه بطل أفريقيا والنادى الأقوى فى القارة .. وعدت أسأله عن إحساسه كمدير فنى يقود كل هؤلاء النجوم .. فابتسم ديل بوسكى مؤكدا أن قيادة فريق ملىء بالنجوم بالتأكيد أسهل من قيادة فريق بلا نجوم .. وقال أيضا أن كل هؤلاء النجوم فى الريال يمنحونه الثقة أحيانا والخوف أحيانا أخرى .. الثقة لأن هؤلاء النجوم الكبار يستطيعون تنفيذ كل ما يحلم به .. والخوف أن يخسر وهو يملك كل هؤلاء النجوم ووقتها لن ترحمه الصحافة أو الجماهير .. وقال لى هيرو وحارس المرمى الكبير كاسياس وآخرون أنهم ليسوا فى رحلة ترفيهية ويعرفون أنهم لا يعرفون الكثير عن لاعبى الأهلى لكنهم يعرفون أنهم سيواجهون فريقا كبيرا له تاريخ ولديه طموح الفوز على ريال مدريد .. وأن تعليمات ديل بوسكى كانت واضحة بضرورة التعامل مع الأمر بمنتهى الجدية .. واعتذر كاسياس عن استكمال الحوار لانه يريد لعب الورق مع الصحفيين فى مؤخرة الطائرة
وحكى لى بوتراجينيو نائب مدير النادى عن التعاقد مع زيدان بمبلغ ضخم وقتها بلغ 60 مليون دولار إلى جانب 50 مليون دولار سيتقاضاها زيدان فى أربع سنوات .. وقال بوتراجينيو أن مهمة خوسيه سانشيز مدير التسويق باتت هى كيف يعيد كل هذا المال للريال .. وذلك عن طريق بيع قميص زيدان فى العالم وتحديد الثياب التى سيرتديها ونوع سيارته والساعات التى يستخدمها والمطاعم التى سيذهب إليها وهل سيشرب الكوكاكولا أم البيبسى وطبيعة اللقاءات الصحفية والتليفزيونية التى سيجريها .. وكل ذلك سيبيعه سانشيز لمصلحة الريال ومنصوص عليه فى بنود العقد الضخم بين الريال وزيدان
وقال لى حسين كامل هريدى سفير مصر فى مدريد أن اهتمام الصحافة الإسبانية بهذه الرحلة والمباراة فاق أى تصور وكل التوقعات .. وأنه سعيد بهذا الاهتمام الذى سيخلق رواجا ودافعا للإسبان لزيارة مصر .. وانها ستكون بالتأكيد مباراة استثنائية .. ولم أقل للسفير المصرى أن هذه الرحلة أيضا كانت وستبقى بالنسبة لى رحلة جميلة واستثنائية جدا .. ولم أكن اتوقع أن تأتى فرصة البقاء خمس ساعات كاملة فوق السحاب مع نجوم الريال أحاورهم وأصغى إليهم وأعرف أحلامهم وحساباتهم وحكاياتهم مع الريال وكرة القدم