الطريق
جريدة الطريق

ياسر أيوب يكتب: قانون ساكسونيا وساعات كريستين في دريسدن

ساعات كريستين
-


ثلاثة أسباب بدأت بها صداقتى مع كريستين هوتر .. الأول هو اكتشافها أننى لست مهتما بالساعات الغالية وأننى لن أسرق إحدى ساعاتها .. والثانى هو رؤيتى للعلاقة بين الإنسان والوقت التى هى أكبر وأعمق من مجرد دوران عقارب أى ساعة .. والثالث هو شغف قديم لكريستين بالرياضة التى كانت تتمنى ممارستها ودراستها لكن لم تسمح لها أيامها بذلك فتخصصت فى عالم الساعات الغالية وبيعها وتسويقها .. وفى 1994 بدأت كريستين خطة عالمية لتسويق ساعات لانج أند سون الألمانية الفاخرة .. وتلقيت فى نفس السنة دعوة كصحفى فى الأهرام لزيارة مدينة دريسدن ومصانع لانج أند سون فى جلاس هوت .. وكنت سعيدا بهذه الدعوة ليس من أجل ساعات لانج الفاخرة .. لكن لرؤية مدينة دريسدن صاحبة إحدى أكثر حكايات الحرب العالمية الثانية حزنا ووجعا .. ففى مساء 13 فبراير 1945 .. بدأت 800 طائرة بريطانية وأمريكية ولمدة يومين القاء القنابل فوق دريسدن .. ولم تصمد المدينة الألمانية أمام 3400 طن من المتفجرات فانهارت بيوتها ومبانيها وامتلأت شوارعها بخمسة وعشرين ألف جثة .. وتحولت المدينة التى كانت قبل الحرب مدينة للفنون وإحدى أجمل مدن أوروبا إلى سلاسل من نار وتلال من حجارة ورماد .. وكنت أود أيضا رؤية دريسدن عاصمة ولاية ساكسونيا .. أو البلد التى اخترعت فى العصور الوسطى قانونا اشتهر بإسم قانون ساكسونيا .. قانون كان يعاقب الفقراء والبسطاء بقطع الرقاب والجلد .. أما النبلاء والوجهاء والأغنياء فكانوا يقفون فى الشمس لتتمدد ظلالهم على الأرض ويتم تنفيذ العقوبة ضد ظلالهم فقط
وفى يومى الأول فى مدينة دريسدن .. التقيت مع زميلات وزملاء صحفيين من بلدان مختلفة مع كريستين هوتر مديرة التسويق والإعلام والعلاقات العامة بشركة لانج للساعات .. وكانت البداية هى تاريخ هذه الشركة الذى بدأ 1845 حين أسس فرديناند أدولف لانج فى بلدة جلاسهوت أمام جبال إرتس جنوب مدينة دريسدن مصنعا صغيرا للساعات .. وبسرعة اكتسبت ساعات لانج شهرة وإعجابا لتصبح هى الأهم والأغلى فى ألمانيا .. ولم يجد القيصر فيلهلم الثانى فى 1898 أفضل من ساعة لانج ليحملها معه أثناء زيارته إلى اسطنبول ويقدمها هدية للسلطان العثمانى عبد الحميد الثانى .. وظلت لانج تحتفظ وتحافظ على نجاح وقيمة ساعاتها حتى الحرب العالمية الثانية حين تم تدمير مصانع لانج بالكامل فى 8 مايو 1945 الذى كان اليوم الأخير لهذه الحرب .. وتوارت بعدها ساعات لانج وفقدت قيمتها وبريقها وظلت مجرد تاريخ قديم وجميل حتى انهيار سور برلين وتوحيد ألمانيا فى 3 أكتوبر 1990 .. وقرر والتر لانج فى 7 ديسمبر 1990 إعادة إحياء الشركة الكبرى .. وبدأ العالم فى 1994 يرى من جديد ساعات لانج الفاخرة مرة أخرى عبر حملة ضخمة إعلامية وإعلانية وكنت أحد صحفيين كثيرين سافروا إلى دريسدن لرؤية هذه الساعات .. وفوجئت بكريستين تبتسم وهى تحذر الصحفيين عند دخولهم قاعة عرض الساعات الجديدة بان القاعة كلها مراقبة بالكاميرات ولهذا تنصح الجميع بعدم محاولة سرقة أى ساعة .. ولم أكمل بعد هذا الحديث الجولة وبقيت جالسا فى الخارج .. وحين لاحظت كريستين ذلك جاءت وسألتنى لماذا بقيت فى الخارج فقلت لها أن حديثها عن الكاميرات والتحذير من السرقة كان صادما ومهينا .. وأكدت لها أننى سأبقى خارجا وسأكتب للأهرام عن تاريخ لانج وحكايتها وساعاتها دون اضطرار للفرجة على ساعات تخشى كريستين أن أسرق إحداها .. واعتذرت كريستين كثيرا وأكدت أنها لا تقصد أى إهانة مطلقا لكنها كانت مضطرة أو اعتادت ذلك بعد ما جرى فى زيارات صحفية سابقة خاصة أنها ساعات غالية جدا
وكان هذا الحديث القصير بداية لحوارات طويلة مع كريستين طيلة أيامى فى مدينة دريسدن .. وكان من الطبيعى أن يدور الحوار الأول عن الوقت .. فعند مدخل جلاسهوت حيث مصانع شركة لانج وشركات كبرى ألمانية أخرى لصناعة الساعات .. هناك لافتة كبيرة مكتوب عليها .. هنا يعيش الوقت .. ولم يكن الحوار عن الساعات إنما عن الوقت .. فليس من المهم أن يملك الإنسان ساعة غالية أو رخيصة لكن الأهم هو أن يملك الوقت .. فالساعات لا تعرف كيف يمضى الوقت .. سريعا أو بطيئا .. وحين قلت لكريستين أن آخر ما توقعته هى أن تكون دريسدن هى مدينة الساعات الألمانية .. فقبل السفر إليها كنت أعرف أنها مدينة الفنون والموسيقى لكن لا حديث أو إشارة لأى ساعات .. وبعد أيام قليلة فى دريسدن وحوارات مع آخرين كثيرين .. رأيت وعرفت وعشت إحباط دريسدن كمدينة لم يسمح لها أحد أن تكمل أى طريق حتى نهايته .. تملك إحدى أجمل دور الأوبرا فى أوروبا لكن ليس مسموحا لها منافسة أوبرا سكالا فى ميلانو .. تملك أكبر متحف للكنوز والتحف يضم أربعة آلاف قطعة لكن لا أحد سيسمح لها حتى بالإقتراب من اللوفر فى باريس .. محاطة بالأشجار والورود حولها وفى قلبها لكن الإعجاب كله بخضرة مدينة فالنسيا وفيينا .. تصنع الساعات الغالية والفاخرة متناهية الدقة لكن تبقى الساعات الأشهر هى روليكس وأوميجا وباتيك فيليب وتاج هوير .. وتزامن ذلك كله مع صدمة دريسدن ما بعد توحيد ألمانيا .. وقد ذهبت إليها بعد أربع سنوات فقط على إعلان ألمانيا الموحدة .. كان أهلها يتوقعون حياة أفضل وأجمل لكن اكتشف كثيرون منهم أنهم سيبقون درجة ثانية فى كل شىء قياسا بألمان الغرب .. الفن والأدب والصناعة والسياحة وحتى كرة القدم
ورغم كل ذلك .. تبقى دريسدن مدينة جميلة فى تفاصيلها وحكاياتها .. واعتدت السير فوق جسر أغسطس الذى يعبر نهر إلب .. أحد أهم أنهار وسط اوروبا .. ينبع من جمهورية التشيك ويعبر إلمانيا ليصب فى بحر الشمال .. وتكاد دريسدن أن تصبح مدينة وحيدة لم تتعامل معه كمجرد نهر .. لكنه أصبح النزهة الحقيقية لأهل دريسدن .. يبحر فيه الناس بأحد القوارب التاريخية التى هى الأقدم فى العالم .. ولم تفكر دريسدن فى استبدالها بأخرى حديثة .. إنما حافظت عليها بنفس شكلها القديم منذ أكثر من مائه عام .. وفوق ظهرها يجلس ويقف أهل دريسدن يتحدثون ويغنون أو يبقون صامتين فى حضرة جمال مدينتهم بقلاعها وجسورها .. وفوق أحد هذه القوارب دارت حوارات كثيرة مع كريستين عن الرياضة وحلمها القدبم الذى لم يتحقق وحلمها الجديد بنجاح أكثر وأجمل فى مجال صناعة الساعات .. ولم تعد تلك القوارب البخارية وحدها تجسيدا لاعتزاز أهل دريسدن بتاريخهم .. فهناك فى المدينة القديمة أكبر لوحة جدارية فى العالم تضم 23 ألف قطعة من البورسلين ويزيد طولها عن مائة متر وتحمل صورا لخمسة وثلاثين من ملوك وقادة ساكسونيا .. أما كنيسة النساء التى تم بناؤها 1743 .. وأصبحت بعد قليل من أشهر كنائس العالم .. وحين زارها الموسيقار الألمانى الشهير باخ وعزف فيها موسيقاه .. أصبحت مقرا لكثير من الحفلات الموسيقية .. وانهارت الكنيسة بقنابل الحلفاء فى فبراير 1945 .. وظلت الكنيسة مدمرة حتى توحيد ألمانيا حيث أبقاها اهل دريسدن شاهدا على فظاعة الحرب وما تحدثه من خراب ودمار .. وبعد توحيد ألمانيا بدأت الدعوة لترميم الكنيسة .. وتبرع أكثر من نصف مليون شخص حول العالم لإعادة بناء الكنيسة بنفس شكلها وطرازها القديم وباستخدام 7000 حجر من التى تم استخدامها قبل أكثر من مائتى عام .. وكانت المفاجاة أن الإنجليز الذين قامت طائراتهم بهدمها بالإسهام فى إعادة البناء .. وقدم الإنجليزى آلان سميث صليبا ضخما للكنيسة كهدية منه أو اعتذار حيث كان أبوه أحد الطيارين الذى قاموا بتفجير الكنيسة
ورغم أن الفندق الذى اختارته كريستين للإقامة أثناء زيارتهم لدريسدن لم يكن من الفنادق الفخمة المنتمية لسلاسل عالمية شهيرة .. إلا أنه كان أحد المبانى العريقة الكلاسيكية فى المدينة .. فندق صغير وجميل وأنيق أيضا .. وفى هذا الفندق كانت المرة الأولى لى التى أتناول فيها طعام عشاء أعده الفائز فى نفس السنة بلقب وجائزة الطاهى الأفضل فى أوروبا .. لم يكن يعمل فى الفندق لكن استعانت يه كريستين لوجبة عشاء استثنائية وجميلة بالفعل .. وبعد العشاء جلست معه وبدأ يحكى لى أن العين تأكل قبل الفم .. وإن إعجابى أو انبهارى بشكل الطبق أمامى وما فيه من ألوان وأشكال هو بداية احساسى بجمال ما سوف أتناوله حتى لو لم يكن جميلا إلى هذا الحد .. وكان هذا العشاء هو الليلة الأخيرة لى فى دريسدن التى تركتها مقتنعا ومعترفا بهدوئها وجمالها ودون أن أسرق أى ساعة من كريستين .. ولم أتوقع أن نفس المدينة ستشهد بعد سنوات قليلة موجات من العنف والتطرف سواء من نازيين أو من الذين يريدون استعادة مجد ساكسونيا أو الروس الذين زاد عددهم وقام أحدهم اسمه أليكس وينز بقتل المصرية مروة الشربينى فى 2009 داخل المحكمة فى دريسدن .. وكانت مروة تقاضيه بعدما وصفها بالإرهابية وحاول نزع حجابها .. وحين أيدت المحكمة الحكم السابق بتغريمه 780 يورو .. قام أليكس بطعن مروة 18 طعنة أنهت حياتها .. وكانت حادثة شهيرة انزعجت لها وبها وبعدها دريسدن كثيرا وطويلا